فصل: تفسير الآية رقم (104):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (96):

{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)}
{صَيْدُ البحر} مصيدات البحر مما يؤكل وما لا يؤكل {وَطَعَامُهُ} وما يطعم من صيده والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبي حنيفة. وعند ابن أبي ليلى جميع ما يصاد منه، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه {متاعا لَّكُمْ} مفعول له، أي أحل لكم تمتيعاً لكم وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] في باب الحال، لأن قوله: {متاعا لَّكُمْ} مفعول له مختص بالطعام، كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب، يعني أحل لكم طعامه تمتيعاً لتنائكم يأكلونه طرياً، ولسيارتكم يتزوّدونه قديداً، كما تزوّد موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر عليهما السلام. وقرئ: {وطعمه}. وصيد البر: ما صيد فيه. وهو ما يفرّخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات، كطير الماء عند أبي حنيفة. واختلف فيه فمنهم من حرّم على المحرم كل شيء يقع عليه اسم الصيد، وهو قول عمر وابن عباس، وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير: أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال، وإن صاده لأجله، إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمه الله، وعند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله: لا يباح له ما صيد لأجله.
فإن قلت: ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله: صيد البر؟ قلت قد أخذ أبو حنيفة رحمه الله بالمفهوم من قوله: {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً} لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد غيرهم، لأنهم هم المخاطبون فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر، فيخرج منه مصيد غيرهم، ومصيدهم حين كانوا غير محرمين. ويدل عليه قوله تعالى: {ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: {وحرّم عليكم صيد البرّ}، أي الله عزّ وجلّ. وقرئ {ما دمتم} بكسر الدال، فيمن يقول دام يدام.

.تفسير الآيات (97- 98):

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)}
{البيت الحرام} عطف بيان على جهة المدح، لا على جهة التوضيح، كما تجيء الصفة كذلك {قِيَاماً لّلنَّاسِ} انتعاشاً لهم في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضاً إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم.
وعن عطاء ابن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا {والشهر الحرام} الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأنّ لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد عرّفه الله تعالى. وقيل: عنى به جنس الأشهر الحرم {والهدى والقلائد} والمقلد منه خصوصاً وهو البدن، لأن الثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر {ذلك} إشارة إلى جعل الكعبة قياماً للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ} كل شيء وهو عالم بما يصلحكم وما ينعكشم مما أمركم به وكلفكم {شَدِيدُ العقاب} لمن انتهك محارمه {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن حافظ عليها.

.تفسير الآية رقم (99):

{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)}
{مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ} تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط.

.تفسير الآية رقم (100):

{قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)}
البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله تعالى وإن كان قريباً عندكم، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإنّ ما تتوهمونه في الكثرة من الفضل، لا يوازي النقصان في الخبيث، وفوات الطيب، وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديهم {فاتقوا الله} وآثروا الطيب، وإن قل، على الخبيث وإن كثر. ومن حق هذه الآية أن تكفح بها وجوه المجبرة إذا افتخروا بالكثرة كما قيل:
وَكَاثِرْ بِسَعْدٍ إِنَّ سَعْداً كَثِيرَةٌ ** وَلاَ تَرْجُ مِنْ سَعْدٍ وَفَاءاً وَلاَ نَصْرَا

وكما قيل:
لاَ يَدْهَمَنَّكَ مِنْ دَهْمَائِهِمْ عَدَدٌ ** فَإِنَّ جُلَّهُمُ بَلْ كُلَّهُمْ بَقَرُ

وقيل: نزلت في حجاج اليمامة، حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم، فنهوا عن الإيقاع بهم وإن كانوا مشركين.

.تفسير الآيات (101- 102):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)}
الجملة الشرطية والمعطوفة عليها أعني قوله: {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} صفة للأشياء. والمعنى: لا تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها. وذلك نحو ما روي: أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن قال: يا رسول الله، الحج علينا كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مسألته ثلاث مرّات، فقال صلى الله عليه وسلم: «ويحك! ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» {وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان}، وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه، تبد لكم. تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم، وتؤمروا بتحملها، فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها {عَفَا الله عَنْهَا} عفا الله عما سلف، من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها {والله غَفُورٌ حَلِيمٌ} لا يعاجلكم فيما يفرط منكم بعقوبته.
فإن قلت: كيف قال: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} ثم قال: {قَدْ سَأَلَهَا} ولم يقل. قد سأل عنها؟ قلت: الضمير في {سَأَلَهَا} ليس براجع إلى أشياء حتى تَجب تعديته بعن، وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها {لاَ تَسْئَلُواْ} يعني قد سأل قوم هذه المسألة من الأولين {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا} أي بمرجوعها أو بسببها {كافرين} وذلك أنّ بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبيائهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا.

.تفسير الآية رقم (103):

{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)}
كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها، أي شقوها وحرّموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيّي لم يركبها. واسمها البحيرة. وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة. وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبداً قال: هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم. فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا من حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. ومعنى {مَّا جَعَلَ} ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك، ولكنهم بتحريمهم ما حرّموا {يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} فلا ينسبون التحريم إلى الله حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارها.

.تفسير الآية رقم (104):

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)}
الواو في قوله: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ} واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار. وتقديره: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} والمعنى أنّ الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة.

.تفسير الآية رقم (105):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}
كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتوّ والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى {لاَ يَضُرُّكُمْ} الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين، كما قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات} [فاطر: 8] وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم. فهو مخاطب به، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه، وعن ابن مسعود: أنها قرئت عنده فقال: إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة. ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، فحينئذٍ عليكم أنفسكم، فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه، وبسط لعذره. وعنه: ليس هذا زمان تأويلها. قيل: فمتى؟ قال: إذا جعل دونها السيف والسوط والسجن.
وعن أبي ثعلبة الخشني: أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً. سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: «ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك ودع أمر العوام. وإنّ من ورائكم أياماً الصبر فيهنّ كقبض على الجمر، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله» وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك، ولاموه. فنزلت {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} عليكم: من أسماء الفعل، بمعنى: الزموا إصلاح أنفسكم، ولذلك جزم جوابه.
وعن نافع: عليكم أنفسكم، بالرفع. وقرئ {لا يضركم} وفيه وجهان أن يكون خبراً مرفوعاً وتنصره قراءة أبي حيوة، {لا يضيركم}؛ وأن يكون جواباً للأمر مجزوماً، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة. والأصل: لا يضرركم، ويجوز أن يكون نهياً، ولا يضركم، بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره.

.تفسير الآيات (106- 108):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)}
ارتفع اثنان على أنه خبر للمبتدأ الذي هو {شهادة بَيْنِكُمْ} على تقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين. أو على أنه فاعل شهادة بينكم على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان: وقرأ الشعبي. {شهادة بينكم} بالتنوين.
وقرأ الحسن: {شهادة}، بالنصب والتنوين على: ليقم شهادة اثنان. و{إِذَا حَضَرَ} ظرف للشهادة. و{حِينَ الوصية} بدل منه، إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلم ويذهل عنها. وحضور الموت: مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل {مِّنْكُمْ} من أقاربكم. و{مِنْ غَيْرِكُمْ} من الأجانب {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض} يعني إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وما هو أصلح وهم له أنصح.
وقيل {منكم} من المسلمين، و{مِنْ غَيْرِكُمْ} من أهل الذمة. وقيل: هو منسوخ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر.
وعن مكحول: نسخها قوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ} وروي: أنه خرج بُديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين، مع عدي بن زيد وتميم بن أوس- وكانا نصرانيين- تجاراً إلى الشام، فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله. ومات ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت {تَحْبِسُونَهُمَا} تقفونهما وتصبرونهما للحلف {مِنْ بعدالصلاوة} من بعد صلاة العصر، لأن وقت اجتماع الناس.
وعن الحسن: بعد صلاة العصر أو الظهر؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وفي حديث بديل: أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر، فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي. وقيل: هي صلاة أهل الذمّة، وهم يعظمون صلاة العصر {إِنِ ارتبتم} اعتراض بين القسم والمقسم عليه. والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما. وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين: وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما.
وعن عليّ رضي الله عنه: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما والضمير في {بِهِ} للقسم. وفي {كَانَ} للمقسم له يعني: لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا، أي لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً منا، على معنى: أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى:
{كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين} [النساء: 135]. {شهادة الله} أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها.
وعن الشعبي أنه وقف على شهادة، ثم ابتدأ الله بالمدّ، على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.
وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: ألله لقد كان كذا. وقرئ: {لملاثمين} بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون من فيها، كقوله: عاد لولي: فإن قلت: ما موقع تحبسونهما؟ قلت: هو استئناف كلام، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما، فقيل: تحبسونهما فإن قلت: كيف فسرت الصلاة بصلاة العصر وهي مطلقة؟ قلت: لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه: إذا صلّى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر. ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفاً في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] {فَإِنْ عُثِرَ} فإن اطلع {على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً} أي فعلا مّا أوجب إثماً، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين {فَآخَرَانِ} فشاهدان آخران {يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ} أي من الذين استحق عليهم الإثم. معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم. وفي قصة بديل: أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما، وأن شهادتهما أحق من شهادتهما. {الأوليان} الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على: هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟ فقيل: الأوليان. وقيل: هما بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران. ويجوز أن يرتفعا باستحق، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لإطلاعهم على حقيقة الحال. وقرئ {الأوّلين} على أنه وصف للذين استحق عليهم، مجرور، أو منصوب على المدح. ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها. وقرئ: {الأولين} على التثنية، وانتصابه على المدح.
وقرأ الحسن: {الأولان}، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي. وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك. فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء.
فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل، وهم علي: وأبيّ وابن عباس؟ قلت: معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين {ذلك} الذي تقدم من بيان الحكم {أدنى} أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة {بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان} أن تكرّ أيمان شهود آخرين بعد إيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل. {واسمعوا} سمع إجابة وقبول.